تواجه مصر ضغوطًا اقتصادية واستراتيجية متزايدة تدفعها إلى مساندة السعودية في مواجهة الحوثيين، رغم مخاوفها من الانجرار إلى حرب إقليمية جديدة. فالقاهرة تعتمد على الودائع الخليجية لدعم احتياطياتها من النقد الأجنبي، وتتحمل أعباء ديون ضخمة، كما تحتاج إلى استمرار حركة الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس. وفي تحليله، يوضح الكاتب والمحلل السياسي الفضيل إبراهيم كيف تتداخل المصالح المالية والالتزامات الإقليمية والمخاطر الأمنية في حسابات القاهرة بشأن تقديم الدعم العسكري للرياض.

 

وبحسب مقال نشره موقع ريسبونسبل ستيتكرافت وافق البرلمان المصري، بعد تأجيل التصويت مرتين، على تفويض رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي باتخاذ «الإجراءات اللازمة» للمساعدة في الدفاع عن السعودية ضد الحوثيين، الجماعة المتحالفة مع إيران التي تسيطر على مساحات واسعة من اليمن، وتواصل منذ أسابيع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه المطارات ومنشآت الوقود الأحفوري في المملكة. وجاءت الموافقة بعد أسابيع من النقاش داخل أروقة السلطة، في خطوة غير معتادة بالنظر إلى أن البرلمان يؤيد الحكومة في الغالب، وعادة ما يوافق على طلبات السيسي.

 

وامتنع عدد محدود من النواب عن التصويت، اعتراضًا على عدم الكشف عن تفاصيل أساسية، من بينها مدة المهمة العسكرية وتكلفتها وعدد القوات التي قد تُرسل. وتعكس هذه الاعتراضات قلقًا واسعًا داخل مصر من احتمال جرّ البلاد إلى حرب خارجية.

 

 

الأموال الخليجية وأزمة الديون.. لماذا يصعب على القاهرة رفض طلب الرياض؟

 

لفهم أسباب إصرار السيسي على تقديم دعم عسكري للسعودية، رغم التحفظات داخل مؤسسات الدولة، لا بد من تتبّع التدفقات المالية.

 

تحتفظ السعودية بنحو 10.3 مليارات دولار لدى البنك المركزي المصري، وتُحتسب هذه الودائع ضمن احتياطيات مصر من العملات الأجنبية. ومع إضافة الودائع العائدة إلى الكويت وقطر، يصل الإجمالي إلى نحو 18 مليار دولار، أي ما يقارب ثلث الاحتياطي المصري البالغ 57 مليار دولار.

 

وتعتمد مصر بدرجة كبيرة على هذه الودائع، في وقت تُعد فيه من أكبر مستوردي القمح في العالم، وتستورد حصة متزايدة من احتياجاتها من الوقود، فضلًا عن تحملها مليارات الدولارات من الفوائد المستحقة للمقرضين الأجانب. وتُسدد هذه الالتزامات بالدولار، بينما لا تحقق البلاد من مواردها الذاتية ما يكفي لتغطيتها.

 

ولا توجد مؤشرات معلنة على أن الرياض ربطت هذه الودائع الحيوية بتقديم مصر دعمًا عسكريًا. لكن القاهرة لا تحتاج بالضرورة إلى تلقي طلب صريح؛ فقد سجل الجنيه المصري مستوى قياسيًا منخفضًا بلغ 56 جنيهًا مقابل الدولار، فيما تستحوذ خدمة الدين، التي تشمل الفوائد وأقساط السداد، على نحو 64% من موازنة العام الجاري. وتفوق مدفوعات الفوائد وحدها إجمالي ما تنفقه الدولة على التعليم والصحة والأجور والدعم مجتمعة.

 

وفي ظل هذه الظروف، يصعب على الحكومة المصرية رفض طلب أحد أبرز داعميها ماليًا.

 

وعلى مدى عقود، سعت مصر إلى تجنب التورط في صراعات خارجية، ولا سيما في اليمن. ففي عام 1962، أرسل جمال عبد الناصر قوات لدعم الجمهوريين خلال الحرب الأهلية اليمنية. ورغم انتصار الجمهوريين في نهاية المطاف، استنزفت الحرب مصر لسنوات، وخسرت خلالها آلاف الجنود.

 

لكن الابتعاد عن الصراعات الإقليمية أثبت صعوبة أكبر مما توقعت القاهرة. فعندما استهدفت صواريخ إيرانية الإمارات في وقت سابق من العام الجاري، أعربت أبوظبي عن استيائها من تقاعس حلفائها العرب. وكانت الإمارات قد ساهمت في إنقاذ الاقتصاد المصري عام 2024 عبر صفقة عقارية ضخمة بقيمة 35 مليار دولار لتطوير منطقة على ساحل البحر المتوسط.

 

وعقب ذلك، أرسلت القاهرة سرًا مجموعة من مقاتلات «رافال» إلى الإمارات، ولم يُكشف عن الخطوة إلا بعدما عرضت وسائل إعلام إماراتية رسمية السيسي وهو يتفقد الطائرات خلال زيارة إلى البلاد.

 

وأظهرت هذه الواقعة أن الدعم المالي الخليجي قد يصاحبه توقع بالحصول على ولاء سياسي وعسكري واضح.

 

وفي سبتمبر، زار ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان القاهرة، في خطوة أفادت تقارير بأنها جاءت لطلب المساعدة في مواجهة تصاعد هجمات الحوثيين على المملكة. وأكد البيان المصري بشأن اللقاء أن أمن السعودية «جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري»، لكنه لم يسمِّ الحوثيين ولم يتضمن تعهدًا بتقديم دعم عسكري محدد. كما جمع البيان بين تأييد أمن المملكة والدعوة إلى تسوية سياسية في اليمن.

 

وبعد ستة أسابيع، منح البرلمان المصري السيسي صلاحية اتخاذ خطوات إضافية، مع تأكيد السيسي أن المهمة دفاعية و«لا تشمل شن هجوم على اليمن». وشدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي كذلك على ضرورة استكشاف «كل الفرص المتاحة للتوصل إلى حلول سياسية».

 

وهكذا تحاول القاهرة تقديم دعم رمزي للرياض والحفاظ على رضا حليفها الخليجي، دون الانخراط رسميًا في حربها. غير أن هذا الموقف لا يعالج الضغوط التي يتعرض لها أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في مصر، وهو قناة السويس.

 

 

قناة السويس والبحر الأحمر.. جبهة اقتصادية مفتوحة على التصعيد

 

تُعد قناة السويس أحد أهم مصادر العملة الأجنبية لمصر، ويمر عبرها نحو 12% من التجارة العالمية. وقد حققت إيرادات بلغت 10.2 مليارات دولار عام 2023، لكن الإيرادات تراجعت إلى نحو 4 مليارات دولار عام 2024، بعدما بدأ الحوثيون استهداف السفن في البحر الأحمر تضامنًا مع غزة، ما دفع شركات الشحن إلى تحويل مساراتها حول إفريقيا.

 

وتأمل هيئة قناة السويس تحقيق إيرادات بقيمة 8 مليارات دولار خلال السنة المالية 2026-2027، لكن هذا الهدف يفترض تراجع التوترات في البحر الأحمر، وهو احتمال يبدو بعيدًا في الوقت الراهن.

 

ومنذ يوليو، أعلن الحوثيون فرض حصار على حركة الشحن السعودية. وفي سبتمبر، سيطروا على ميناء المخا اليمني وجزيرة ميون، ما عزز قدرتهم على التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب، الممر الضيق الواقع عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، والذي يتعين على السفن المتجهة إلى قناة السويس عبوره.

 

وأفادت تقارير بأن القاهرة أنشأت خلية لإدارة الأزمة وفتحت قنوات اتصال مع الحوثيين. ونقل مصدر مصري إلى موقع «ذا نيو عرب» أن هذه الاتصالات استُخدمت للضغط على الجماعة من أجل تجنب التصعيد والحفاظ على انسياب حركة السفن عبر المضيق.

 

لكن قدرة مصر على التأثير تظل محدودة، إذ لا تزال رسميًا ضمن التحالف الذي تقوده السعودية لدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وهو ما أعاق تطوير القاهرة قنوات دبلوماسية مع الحوثيين.

 

وتتزامن هذه التطورات مع الحرب الأوسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، التي دخلت شهرها الثامن. وخلال الأسبوع الجاري، توجه مبعوثون من السعودية وتركيا وباكستان، وهي الدول الثلاث الأعضاء في «اتفاق مكة» الذي تقول مصر إنها «تدرس بجدية» الانضمام إليه، إلى طهران لبحث سبل خفض التصعيد، لكن المحادثات لم تسفر عن التزامات ملموسة.

 

ورغم عدم تصدر مصر المشهد الدبلوماسي العلني في التعامل مع طهران، فإنها تعمل عبر قنوات اتصال غير معلنة. وقال عبد العاطي للصحفيين مؤخرًا إن مصر تتواصل يوميًا مع الإيرانيين والأمريكيين ودول المنطقة لتجنب «مواجهات عسكرية شاملة سيكون لها تأثير سلبي للغاية على شعوب المنطقة».

 

وجاءت تصريحات الوزير في وقت يلوّح فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علنًا باستئناف الضربات على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر. كما أفادت تقارير بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دفع باتجاه شن هجمات جديدة، بالتزامن مع الانتخابات في بلاده، في خطوة يُعتقد أنها قد تعقّد جهود منافسيه لتشكيل حكومة.

 

وستكون الجولة الثانية من القتال أشد ضررًا على مصر من الجولة الأولى. فقد تعرضت البلاد بالفعل لحادث أمني مباشر في 29 يوليو، عندما استهدفت طائرة مسيّرة محطة عائمة للغاز في ميناء دمياط، ما أدى إلى اشتعال النيران في سفينتين. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، كما لم تكشف السلطات المصرية علنًا نتائج تحقيقاتها. لكن تجدد القتال قد يؤدي إلى سقوط مزيد من الصواريخ والطائرات المسيّرة داخل الأراضي المصرية.

 

وتزداد خطورة هذا الاحتمال بعد التزام مصر رسميًا بالدفاع عن السعودية. فقد حذّر مسؤول حوثي بارز من أن القرار المصري يمثل «إعلان حرب» على اليمن، ما يضع مصر بصورة مباشرة في دائرة التهديدات.

 

وتستورد مصر حصة متزايدة من احتياجاتها من الغاز، ومن شأن ارتفاع جديد في أسعار الطاقة أن يزيد الضغط على الموازنة المثقلة بالأعباء. كما تواجه قناة السويس مخاطر إضافية من الحوثيين، الذين باتوا في وضع يسمح لهم بممارسة ضغط أكبر على حركة الشحن في البحر الأحمر.

 

وثمة عامل آخر لا يقل أهمية، هو تحويلات المصريين العاملين في الخارج، التي تسهم في دعم احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي والاقتصاد. ويعمل ما لا يقل عن 1.25 مليون مصري في السعودية وحدها. وقد ألقت الحرب مع إيران بالفعل بظلالها على اقتصادات السعودية ودول الخليج، فيما حذّر مسؤول إيراني من أنه إذا تعرضت إيران لهجوم جديد، «فلن تبقى خطوط حمراء».

 

كما وضعت إيران خططًا لاستهداف كابلات الاتصالات البحرية، وحذّر مسؤولها الأمني الأبرز من احتمال استهداف مراكز بيانات ومنشآت نفطية في الخليج مرتبطة بالولايات المتحدة. وقد تؤدي أضرار بهذا الحجم إلى تسريح عمالة على نطاق واسع في دول الخليج، ما يغيّر سريعًا حسابات الاقتصاد المصري واستقراره.

 

وفي المحصلة، تجد القاهرة نفسها أمام معادلة معقدة: الحفاظ على الدعم المالي الخليجي وتلبية متطلبات الشراكة الأمنية، مع تجنب الانجرار إلى حرب قد تهدد إيرادات قناة السويس وإمدادات الطاقة وتحويلات العاملين في الخارج. وفي ظل اتساع رقعة الصراع، قد تصبح كلفة الانحياز العسكري أكبر من مجرد التزامات دفاعية، لتطال ركائز أساسية يعتمد عليها الاقتصاد المصري.

 

Why is Egypt jumping into Houthi war? First, follow the money. | Responsible Statecraft